كن داعيا وخادما للاسلام

الجمعة، 15 نوفمبر 2019

.عناية الأمة الإسلامية بالقرآن:

.عناية الأمة الإسلامية بالقرآن:

فلا عجب- والقرآن كما سمعت- أن عنيت الأمة الإسلامية به عناية فائقة، من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، فحفظوا لفظه، وفهموا معناه، واستقاموا على العمل به وأفنوا أعمارهم في البحث فيه والكشف عن أسراره، ولم يدعوا ناحية من نواحيه الخصبة إلا وقتلوها بحثا وتمحيصا، وألفوا في ذلك المؤلفات القيمة، فمنهم من ألف في تفسيره ومنهم من ألف في رسمه، وقراءاته، ومنهم من ألف في: محكمه ومتشابهه ومنهم من ألف في مكيّه ومدنيّه ومنهم من ألف في جمعه وتدوينه في الرقاع واللخاف والأكتاف ثم في الصحف، ثم في المصاحف، ومنهم من ألف في استنباط الأحكام منه ومنهم من ألف في ناسخه ومنسوخه، ومنهم من ألف في أسباب نزوله ومنهم من ألف في إعجازه، ومنهم من ألف في مجازه، ومنهم من ألف في أمثاله، ومنهم من ألف في أقسامه، ومنهم من ألف في غريبه، ومنهم من ألف في إعرابه، ومنهم من ألف في قصصه، ومنهم من ألف في تناسب آياته وسوره إلى غير ذلك من العلوم المتكاثرة.
وقد تبارى علماؤنا في هذا المضمار الفسيح، وجروا فيه أشواطا بعيدة حتى زخرت المكتبة الإسلامية بميراث مجيد من تراث سلفنا الصالح، وعلمائنا الأعلام، وكانت هذه الثروة- ولا تزال- مفخرة نتحدى بها أمم الأرض، ونباهي بها أهل الملل في كل عصر ومصر.
وأضحت هذه العناية بحق أروع مظهر عرفه التاريخ لحراسة كتاب هو سيد الكتب وأجلها، وأبعدها من التحريف والتغيير، وبذلك هيأ الله الأسباب المتكاثرة لحفظ كتابه، وهل هذا إلا مصداق قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ} [سورة الحجر: 9].
.المبحث الأول: معنى علوم القرآن وتحليل هذا المركب الإضافي:

.معنى علوم القرآن:

يقتضينا منهج البحث التحليلي أن نبين معنى كل من طرفي هذا المركب الإضافي ثم نبين بعد ذلك المراد منه بعد التركيب ثم بعد ما صار فنّا مدونا.
طرفا هذا المركب هما لفظ علوم ولفظ القرآن.
أما العلوم: فهو جمع علم، والعلم في اللغة العربية: مصدر بمعنى الفهم والمعرفة، ويطلق ويراد به: اليقين أيضا.
أما في الاصطلاح: فقد اختلفت فيه عبارات العلماء باختلاف الاعتبارات، فعرفه الشرعيون بتعريف، وعلماء الكلام بتعريف آخر، وعرفه الفلاسفة والحكماء بتعريف ثالث.
وليس شيء من هذه التعريفات بمراد هنا، وإنما المراد: العلم في اصطلاح أهل التدوين وعرفهم، والعلم في عرف التدوين العام عبارة عن: جملة من المسائل المضبوطة بجهة واحدة سواء أكانت وحدة الموضوع أم وحدة الغاية، والغالب أن تكون تلك المسائل كلية نظرية، وقد تكون ضرورية، وقد تكون جزئية، مثل: مسائل علم الحديث رواية كقولهم: «إنما الأعمال بالنيات...» بعض قوله صلى الله عليه وسلم.
أما العلم بمعنى: الملكة التي بها تستحصل هذه المسائل أو بمعنى: إدراك المسائل فغير مراد هنا؛ لأن بحثنا في العلم بمعنى: الفن المدون، ومعلوم أن الذي يدوّن ويؤلف هي المسائل والقواعد لا الملكة ولا الإدراك.
وأما القرآن:
لفظ قرآن قد اختلف فيه العلماء من جهة الاشتقاق أو عدمه، ومن جهة كونه مهموزا أو غير مهموز، ومن جهة كونه مصدرا أو وصفا على أقوال نجملها فيما يأتي:
أما القائلون: بأنه مهموز، فقد اختلفوا على رأيين:
الأول: قال جماعة منهم اللحياني، القرآن: مصدر قرأ بمعنى: تلا، كالرجحان والغفران، ثم نقل من هذا المعنى المصدري، وجعل اسما للكلام المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، من باب: تسمية المفعول بالمصدر، ويشهد لهذا الرأي ورود القرآن مصدرا بمعنى: القراءة في الكتاب الكريم، قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [سورة القيامة: 17- 18] أي قراءته.
وقول حسان بن ثابت يرثي ذا النورين عثمان رضي الله عنه:
ضحّوا بأشمط عنوان السجود به ** يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا

أي قراءة وعلى هذا يكون على وزن فعلان.
الثاني: قال جماعة منهم الزجاج: إنه وصف على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع، يقال في اللغة: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته، ثم سمي به الكلام المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم لجمع السور والآيات فيه أو القصص والأوامر والنواهي، أو لجمعه ثمرات الكتب السابقة.
وهو على هذين الرأيين مهموز، فإذا تركت الهمزة فذلك للتخفيف، ونقل حركتها إلى الساكن قبلها والألف واللام فيه ليست للتعريف، وإنما للمح الأصل وعلى هذا أيضا يكون على وزن فعلان.
والقائلون بأنه غير مهموز اختلفوا في أصل اشتقاقه:
1- فقال قوم منهم الأشعري هو مشتق من قرنت الشي بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر وسمي به القرآن لقران السور والآيات والحروف فيه.
2- وقا الفراء: هو مشتق من القرائن لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضا، ويشابه بعضها بعضا، وهي قرائن، أي أشباه ونظائر.
وعلى هذين القولين: فنونه أصلية، بخلافه على القولين الأولين، فنونه زائدة ويكون وزنه على هذين فعال.
رأي خامس: مقابل للأقوال السابقة:
وهو أنه اسم علم غير منقول، وضع من أول الأمر علما على الكلام المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو غير مهموز، وهذا القول مروي عن الإمام الشافعي، أخرج البيهقي والخطيب وغيرهما عنه، أنه كان يهمز قراءة، ولا يهمز القرآن ويقول: القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قراءة، ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل.
وبالتخفيف قرأ ابن كثير وحده؛ أما بقية السبعة فقرءوا بالهمزة.
وأرجح الآراء وأخلقها بالقبول الأول ويليه الرأي الثاني.
ومما يقوي مذهب القائلين بالهمز، أنهم خرجوا التخفيف تخريجا علميا صحيحا، ولا أدري ماذا يقول القائلون بالرأي الأخير في توجيه قراءة لفظ القرآن بالهمز، مع أن عليها معظم القراء السبعة، كما ذكرنا آنفا!
رأي آخر:
يرى بعض الباحثين:
أن قرآن مأخوذ من قرأ بمعنى تلا، وهذا الفعل أصله في اللغة الآرامية ثم دخل العربية قبل الإسلام بزمن طويل ولو صح هذا، فلا ضير فيه؛ لأن هذه الكلمة وأمثالها- وإن كانت في الأصل أعجمية- فقد صارت بعد التعريب عربية بالاستعمال وبإخضاعها لأصول العرب في نطقهم ولغتهم، واندمجت فيها حتى صارت جزءا منها فنزل القرآن بها، وهي على هذا الحال.
وهذا القول لا يخرج عما ذكره اللحياني فهو مكمل له، لأنه ليس في كلام اللحياني ما ينفي أن يكون أصل الكلمة من اللغة الآرامية.
.تعريف القرآن عند الأصوليين والفقهاء وأهل العربية:

هو كلام الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم المعجز بلفظه، المتعبد بتلاوته المنقول بالتواتر، المكتوب في المصاحف، من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس وقد خرج بقولنا: المنزل على نبيه محمد المنزل على غيره من الأنبياء كالتوراة والإنجيل والزبور والصّحف.
وخرج بالمعجز بلفظه المتعبد بتلاوته الأحاديث القدسية على الرأي بأن لفظها من عند الله، فإنها ليست معجزة ولا متعبد بتلاوتها.
وخرج بقولنا (المنقول بالتواتر... الخ) جميع ما سوى القرآن المتواتر من منسوخ التلاوة.
والقراءات غير المتواترة سواء نقلت بطريق الشهرة كقراءة ابن مسعود في قوله تعالى في كفارة الأيمان: {فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [سورة المائدة: 89] بزيادة متتابعات، أو بطريق الآحاد مثل قراءة: {متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان} [الرحمن: 76] بالجمع فإنها ليست قرآنا؛ ولا تأخذ حكمه.
ثم إن العلماء بحثوا في الصّفات الخاصة بـ القرآن فوجدوا أنها تنحصر في الإنزال على النبي صلى الله عليه وسلم والإعجاز، والنقل وبالتواتر، والكتابة في المصاحف، والتعبد بالتلاوة، فرأى بعض العلماء زيادة التوضيح والتمييز، فعرفه بجميع هذه الصفات كما ذكرنا آنفا.
واقتصر بعضهم على ذكر الإنزال على النبي، والإعجاز، لأن ما عداهما من الصفات ليس من الصفات اللازمة، لتحقق القرآن بدونها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا في تعريفه: هو الكلام المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المعجز.
واقتصر بعضهم على الإنزال والكتابة في المصاحف، والنقل تواترا، لأن المراد تعريفه لمن لم يدرك زمن النبوة، وإنزال الألفاظ والكتابة في المصاحف والنقل تواترا من أبين اللوازم للقرآن وأوضحها بخلاف الإعجاز فليس من اللوازم البينة؛ إذ لا يعرفه إلا الخواص الواقفون على أسرار اللغة وأساليبها، كما أنه ليس شاملا لكل جزء؛ إذ المعجز هو السّورة أو مقدارها.
واقتصر البعض على النقل في المصاحف تواترا، لأنه كاف في الغرض المقصود، وهو تمييز القرآن عن جميع ما عداه، فقد ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم بالغوا في ألا يكتب في المصحف ما ليس منه، مما يتعلق به، حتى النّقط والشّكل، واحتاطوا في ذلك غاية الاحتياط، حتى لا يختلط القرآن بغيره.
واقتصر بعضهم على ذكر الإعجاز فحسب، لأنه وصف ذاتي للقرآن إذ هو الآية العظمى المثبتة لرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكون القرآن المنزل عليه من عند الله لا من عند البشر.
ولما كان بحثنا في هذا العلم، إنما يتعلق بنظمه العربي المبين، فقد آثرت ألا أتعرض للقرآن من حيث كونه كلام الله، وصفة من صفاته، لأن هذا البحث محله علم الكلام.

التعريف القران الكريم




القرآن كتاب العربيّة الأكبر:

والقرآن هو كتاب العربية الأكبر، ورمز وحدة العرب الكبرى وجامعتهم العظمى، وبه اكتسبت لغة العرب بقاءها، وحيويتها؛ وبه صار العرب أمة واحدة مؤمنة موحدة، متآلفة القلوب متجانسة المزاج، متحدة اللسان، متشابهة البيان، وبه صار المسلمون في صدر الإسلام أمة واحدة، لا يفرق بينها جنس، ولا لون، ولا لغة، فقد انصهرت كل هذه الفوارق في نور الإسلام، ولم يبق إلا الاعتزاز بالإسلام والقرآن، وصار لسان الواحد منهم يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ** إذا افتخروا بقيس أو تميم

ومنه استمد العرب والمسلمون علومهم ومعارفهم، فما من علم من علومهم إلا وله بالقرآن سبب، وله منه ورد ومدد، ولولا هذا الكتاب العربي المبين لاستعجمت لغة العرب، وأضحت في عداد اللغات الميتة، فهو الذي يجدد شبابها كلما اعتراها الهرم والضعف، ويأخذ بيدها إذا ألمّ بها التخلف والركود، ولولا هذا الكتاب لما كانت هذه الثروة الطائلة من العلوم التي تدور حول القرآن، ولغة القرآن وتجول في رحابه الواسعة.
وما من عربي- أيا كان دينه- إلا وله بهذا الكتاب مفخرة واعتزاز وحب ووفاء؛ لأنه يخاطب فطرته اللغوية ووجدانه البياني، وروحه العربية الصافية الشفافة.
.القرآن كتاب الهداية الكبرى:

والقرآن هو هداية الخالق لإصلاح الخلق، وشريعة السماء لأهل الأرض. وهو التشريع العام... الخالد الذي تكفل بجميع ما يحتاج إليه البشر في أمور دينهم ودنياهم. في العقائد، والأخلاق وفي العبادات وفي المعاملات: المدنية، والجنائية، وفي الاقتصاد، والسياسة، والسلم، والحرب، والمعاهدات، والعلاقات الدولية وهو في كل ذلك حكيم كل الحكمة، لا يعتريه خلل ولا اختلاف، ولا تناقض ولا اضطراب وصدق الله: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [سورة النساء: 82] وأصيل غاية الأصالة، وعدل غاية العدالة، ورحيم غاية الرحمة، وصادق غاية الصدق، وصدق الله {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة الأنعام: 115].
فلا عجب.. أن كانت السعادة الحقة لا تنال إلا بالاهتداء بهديه، والتزام ما جاء به وأن كان الشفاء لأمراض النفوس وأدواء المجتمع؛ فاهتدت به القلوب بعد ضلال، وأبصرت به العيون بعد عمى، واستنارت به العقول بعد جهالة، واستضاءت به الدنيا بعد ظلمات، وصدق الله: {إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً} [سورة الإسراء: 9- 10]. وقال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً} [سورة الإسراء: 82].
وقال: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة المائدة: 15- 16].
.القرآن حارب التقليد ودعا إلى النظر والتأمل في الكون:

وهو الكتاب الذي فك العقول من عقالها، وأطلق النفوس من إسارها، وأنحى على التقليد والمقلدين بالذم والتوبيخ، قال عز شأنه: {وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} [سورة البقرة: 170]، وقال: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} [سورة المائدة: 104].
وهو الكتاب الذي وجه العقول والأنظار إلى النظر في الأنفس، وما فيها من عجائب وأسرار وغرائز واستعدادات، قال عز شأنه: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [سورة الذاريات: 21] والنظر في الآفاق والآيات الكونية علويّها وسفليّها، ظاهرها وخفيها وعما تنطوي عليه من حكم، وما أودع الله فيها من خواص وسنن وأفاض في ذلك في غير ما سورة وآية، وإن شئت اليقين في ذلك فاقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 164] {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ} [سورة ال عمران: 190].
وقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت: «ويل لمن قرأها ولم يتفكّر» رواه ابن مردويه وعبد بن حميد، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [سورة ق: 6- 8] وقال سبحانه: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [سورة الغاشية 17- 22] وقال: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] إلى غير ذلك من الآيات التي لا يحصيها العد.
وقد زخر القرآن العظيم بهذا النوع من الآيات، وكثرت كثرة زادت على آيات الأحكام، ولاسيما في القسم المكي، ولذلك سرّ: ذلك أن هذا النظر، وذاك التأمل غالبا ما ينتهيان بالإنسان العاقل المجرد عن الأهواء والشهوات، إلى الوصول إلى الإيمان بالخالق جل وعلا ووحدانيته وتفرده بصفات الكمال والجلال، والجمال والإيمان بالبعث والمعاد، وأن هناك حياة أخرى خيرا من هذه الحياة، والإيمان بالملائكة والرّسل الكرام وإذا ما آمن البشر بهذه العقائد سهل عليهم بعد تلقي الشرائع، والتزامها علما، وعملا، وسلوكا، وخير الإيمان ما كان عن بينة ودليل، وخير العلم والعمل ما كان عن اطمئنان وبحث، واقتناع.
.القرآن فتح الباب للعلوم التجريبية:

والقرآن حينما دعانا إلى النظر في الآيات الآفاقية والأنفسية لم يقف بنا عند حد الاعتبار والاتعاظ بالظواهر والصور والأشكال فحسب، وإنما أراد- إلى ذلك- استكشاف المستور، واستكناه الأسرار، والتقصي عما فيها من عجائب وسنن وخواص عن طريق الملاحظة حينا والتجارب أحيانا أخرى؛ وبذلك يكون القرآن فتح أبوابا للعلوم التجريبية منذ أربعة عشر قرنا من الزمان.
ولو أن المسلمين استفادوا بما في هذا الكتاب الكريم من توجيهات وإرشادات؛ لكانوا- كما كان الشأن في سلفهم الأولين- أسبق الأمم إلى الكشوف العلمية والاختراع والابتداع، ولصاروا سادة الدنيا، وأضحى بيدهم زمام الأمور، ولكنهم جمدوا ولم يستفيدوا بهدي القرآن وإرشاداته، فكانوا على ما ترى...!
.لقرآن حارب العنصرية والعنجهية الجاهلية:

والقرآن هو الذي قضى على العنجهية، ودعاوى الجاهلية، وقضى على التفرقة العنصرية والنسبية واللونية، ووضع أساس المساواة بين الناس كافة، فالناس ربهم واحد وكلهم لآدم لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض، وإنما التفاضل بالتقوى، والتقوى جماع كل هدى وحق وخير.
وصدق الله: {يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، فالناس مهما تعددت شعوبهم، وتباينت أممهم فيجمعهم رباط واحد، وهو رباط الإنسانية العام، وهذا أسمى ما يطمع فيه من تشريع!
وقال تعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ} [سورة النساء: 1].
.القرآن كوّن أمة مثالية:

وهو الكتاب الذي صلحت به الدنيا، وحول مجرى التاريخ، وأقام أمة كانت مضرب الأمثال في الإيمان والإخاء والعدل والوفاء، والوفاق والوئام، وأظل العالم بلواء الأمن والسلام حقبا من الزمان، وصيّر من رعاة الإبل والشاء علماء حكماء رحماء، وسادة قادة في الحكم، والسياسة والسلم، والحرب، عقمت الدنيا عن أن تجود بمثلهم.
وهو الكتاب الذي لا تفنى ذخائره، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا يزداد على التكرار إلا حلاوة وطلاوة، وصدق القائل:
تزداد منه- على ترداده- مِقَة ** وكلّ قول- على التّرداد- مملول

وتلك لعمر الحق خصيصة من خصائص القرآن ومن كان في شك من هذا فليستفت الذوق والوجدان والقلب والآذان، وليوازن في هذا بين كلام الله وكلام الإنسان، وحينئذ سيتذوق، ومن ذاق عرف، ومن عرف اعترف.
ومهما تعاقبت على هذا الكتاب العزيز الأجيال والسنون لا يزداد إلا جدة وطرافة ولا يزال غضا طريا كما أنزل، وكلما تقدمت العلوم والمعارف الإنسانية تكشف للناس منه العجب العجاب وصدق الحق تبارك وتعالى حيث يقول: {سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ * الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة فصلت: 53] بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
وقصارى القول وحماداه: أنك لن تجد في الكشف عن حقيقة هذا الكتاب وخفاياه وفضائله ومزاياه أوفى مما وصفه به نبينا محمد بن عبد الله.
روى الترمذي بسنده عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على عليّ فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث قال: أوقد فعلوها قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إنها ستكون فتنة» قلت: وما المخرج منها يا رسول الله قال: «كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم ينته الجن إذ سمعوه حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} من قال به صدق، ومن عمل أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».
إن كتابا هذا بعض شأنه لجدير أن يضعه الإنسان بين عينيه، ويجعله أنيسه في خلوته، ورفيقه في سفره، وصديقه الصدوق في يسره وعسره، ومستشاره الأمين في أمور دينه ودنياه، وحجته البالغة في حياته وأخراه.


الإلهامِ

1 - الإلهامِ). ((تفسير القرطبي)) (10/133). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/406). قال الشَّوكاني: (وَأَوْحَى.
2 - بالوحيِ هنا الإلهامُ: ابنُ جرير في ((تفسيره)) (9/116-117)، وابن كثير في ((تفسيره)) (3/224)، والسعدي في.
3 - مُناسِبةً للطَّيَرانِ في الهواءِ، وخَلْقِ الإلهامِ للطَّيرِ بأن يَسبَحَ في الجوِّ، وبأن لا يَسقُطَ إلى.
4 - ومن قال: عبدٌ صالحٌ، فالمعنى: قُلْنا له بطريقِ الإلهامِ، أو بطريقِ الإرسالِ إليه). ((تفسير الرسعني)).
5 - فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي فإنَّه لا يدُلُّ على أنه نبيٌّ، وإنما يدلُّ على الإلهامِ والتحديثِ، كما يكونُ لغير.
6 - قال المفسرونَ: وَحْي إلهامٍ). ((البسيط)) (14/393). وقال ابن عاشور: (الوحيُ هنا: وحيُ الإلهامِ.
7 - لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ على أنَّ ما يقَعُ في القلوبِ من الإِلْهاماتِ.
8 - المعنى إلى صاحبِه، والإلهامِ، والإشارةِ والكِتابة؛ وأصلُ الوَحْي: يدُّل على إلْقاءِ عِلمٍ في إخفاءٍ،.
9 - وَاللَّهُ أَنْزَلَ؛ لِمَا في أَوْحَى مِن الإيماءِ إلى إلهامِ تلك الحشَرةِ الضَّعيفةِ تَدبيرًا عَجيبًا،.

الإلهام

الإلهام


يُعرَّف الإلهام بأنه "إشراف المعرفة وانبثاقها دفعة واحدة، بدون مقدمات معينة أو تذكر لمحفوظ أو خبرة واضحة"[1].



فالإلهام بهذا المعنى طريقٌ من طرقِ المعرفة عند جميع العلماء المحقِّقين، إلا أن المتصوفة خاصة عدُّوه الطريق الوحيد للمعرفة، وأن التربية الصوفية القاسية هدفُها الوحيد الوصول إلى هذه الدرجة من المعرفة، ونَيْل السعادة في الدنيا والآخرة، وهذا الرأي نجده واضحًا عند الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال".



وغلا بعضُهم أكثرَ من ذلك في تقدير الإلهام؛ إذ وضَعه بمرتبةِ الوحي للأنبياء والرسل، حتى أصبح العارفُ الصوفيُّ عندهم إنسانًا لا حدودَ لإلهامه، قد انكشفت حجب الغيب أمامه، والتقى بالملأ الأعلى، وبأرواح الأنبياء والرسل جميعًا، وهذا ما نجدُه عند ابن عربي الأندلسي[2] في كتابه "الفتوحات المكية".



ويأتي ابن تيمية ويضع الإلهام في مرتبتِه الحقيقية؛ حيث وضعه فيها الكتابُ والسنة، وينقد نقدًا شديدًا ابن عربي، ويبيِّن انحرافَه عن طريق الإسلام، وإلحاده بقوله في وحدة الوجود، ويُخَطِّئ الغزالي في رأيه أن الإلهام الطريق الوحيد للمعرفة، ويبيِّن أنه أحد طرق المعرفة، وهو نتيجة للتربية الإيمانية الملتزمة بالكتاب والسنة، لا أنه هدف كلي للإنسان، يحتاج إلى تربية صوفية معينة؛ مثل الخلوة، والذِّكر المفرد، وغيره، وعَدَّ ما يحصل للمُرِيد الصوفي، إِنْ هو إلا خيالاتٌ وأوهام لا أساس لها في المعرفة اليقينية[3].



فالإلهام حق وليس باطلاً عند ابن تيمية، وهو علم صحيح لا يقبل النقض، يقول في كتابه "درء تعارض العقل والنقل": "وأما طريقة الإلهام، فالإلهام الذي يدعى في هذا الباب هو - عند أهله - علم ضروري لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم، أو مستند إلى أدلة خفية لا تقبل النقض، فلا يمكن أن يكون باطلاً"[4].



ويدلِّل ابن تيمية على وجود الإلهام وواقعية حدوثه من الكتاب والسنة وسيرة الصحابة، ففي القرآن الكريم نجد أن الإلهام أحد دلالات الهدى، يقول: "وقد يراد بالهدى الإلهام، ويكون الخطاب للمؤمنين المطيعين، الذين هداهم الله إلى طاعته، فإن الله -تعالى- أراد أن يتوب عليهم ويهديهم، فاهتدوا، ولولا إرادته لهم ذلك لم يهتدوا، كما قالوا: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 43]"[5].



"وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث وابصة: ((البِرُّ ما اطمأنَّت إليه النفس وسكن إليه القلب، والإثمُ ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس وأفتَوْك))، وهو في السنن".



"وفي صحيح مسلم عن النوَّاس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((البِرُّ حسنُ الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرِهْتَ أن يطَّلع عليه الناس)).



ويتابع ابنُ تيمية التدليل على وجود الإلهام بقوله: "فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن، يقينًا أو ظنًّا، فالأمور الدينية كذلك بطريق الأولى، فإنه إلى كشفِها أحوج، لكن هذا في الغالب لا بد أن يكون كشفًا بدليل، وقد يكون الدليلُ ينقدح في قلب المؤمن ولا يمكنه التعبير عنه، وهذا أحد ما فسر به معنى الاستحسان"[6].



ويقول ابن تيمية أيضًا: "وأما حجة أهل الذوق والوجد والمكاشفة والمخاطبة، فإن أهل الحق من هؤلاء لهم إلهامات صحيحة مطابقة، كما في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمر))، وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اتَّقوا فراسةَ المؤمن، فإنه ينظر بنور الله))، ثم قرأ قوله -تعالى-: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ [الحجر: 75].



وقال بعض الصحابة: "أظنُّه - والله أعلم - الحق يقذفُه الله على قلوبهم وأسماعهم"، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن رب العزة - سبحانه - أنه قال: ((ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصِرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها، ورِجلَه التي يمشي بها)) وفي رواية: ((فبي يسمع، وبي يُبصِر، وبي يبطش، وبي يمشي))[7].



وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول ويكتب بذلك إلى عمَّاله: "احفظوا عن المطيعين لله ما يقولون، فإنه يتجلَّى لهم أمور صادقة".



وبعد أن يدلل ابن تيمية على وجود الإلهام، وأنه طريق من طرق المعرفة، يبيِّن طريق اكتسابه، وأنه يمكن للمؤمن أن يكون من المُلهَمين بإذن الله، فيقول: "فكلما استعمل العبدُ عقلَه، وعمِل بعلمه، وأخلص في عمله، وصفا ضميرُه، وجال بفهمِه في بصيرة العقل، وذكاء النفس، وفطنة الروح، وذهن القلب، وقوَّى يقينَه، ونفى شكه، وضبَط حواسَّه بالآداب النبوية، وقام على خواطره بالمراقبة، وتحرَّى ترك الكذب في الأقوال والأفعال، وصار الصدقُ وطنَه، وذهب عنه الرِّياء والعُجب، وأظهر الفقر والفاقة إلى معبودِه، وتبرأ من حولِه وقوَّته، ولزم الخدمة، وقام بحرمة الأدب وحفظ الحدود والاتباع، وهرب من الابتداع - زِيدَ في معرفته وقَوِيَت بصيرتُه، وكوشف بما غاب عن الأعيان، وصار من أهل الزيادة بحقيقة مادة الشكر الموجبة للمزيد"[8].



الإلهام الرباني والإلقاء الشيطاني:

ويميز ابن تيمية بين الإلهام الذي يلهمه الله لعباده المؤمنين، وبين الهوى وما يلقي الشيطان على غير المؤمنين من الكافرين والعصاة، والميزان في ذلك هو الكتاب والسنة. يقول: "وكل مَن خالف الرسول لا يخرج عن الظنِّ وما تهوى الأنفس، فإن كان ممَّن يعتقد ما قاله وله فيه حجة ويستدل بها، كانت غايته الذي لا يغني عن الحق شيئًا، كاحتجاجهم بقياس فاسد، أو نقل كاذب، أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من الله وكان من إلقاء الشيطان"[9].



ويقول أيضًا: "وكذلك مَن اتَّبع ما يَرِدُ عليه من الخطاب، أو ما يراه من الأنوار والأشخاص الغيبية، ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسنة، فإنما يتبع ظنًّا لا يُغنِي عن الحق شيئًا، فليس في المُحدَّثين المُلهَمين أفضل من عمر، وقد وافق عمرُ ربَّه في عدة أشياء، ومع هذا فكان عليه أن يعتصم بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يقبل ما يرد عليه حتى يعرضه على الرسول، وكان إذا تبين له من ذلك أشياء خالف ما وقع له، فيرجع إلى السنة، وكان أبو بكر يبيِّن له أشياء خفيت عليه، فيرجع إلى بيان الصِّدِّيق وإرشاده وتعليمه"[10].


[1] ابن تيمية، لعبدالرحمن النحلاوي ص 81.

[2] محيي الدين بن عربي 560 - 631هـ، صوفي أندلسي مشهور، غلا في طريق التصوف، وقال بوحدة الوجود التي تقول بوحدة الخالق والمخلوق، وقد كفَّره كثير من العلماء بسبب هذا المذهب المخالف للعقيدة الإسلامية، وله مقام معروف في مسجد باسمه في مدينة دمشق.

[3] ينقد ابن تيمية منهج المعرفة عند الصوفية عامة، وعند الغزالي خاصة في كتاب فتاوى الرياض 13/230 - 269، و10/393 - 407 و2/57، وينقد ابن عربي في كثير من كتبه، ومن ذلك فتاوى الرياض 2/112 - 125.

[4] درء تعارض العقل والنقل 8/46.

[5] فتاوى الرياض 10/582 - 583.

[6] فتاوى الرياض 10/476 - 477.

[7] درء تعارض العقل والنقل 8/518.

[8] درء تعارض العقل والنقل 8/518.

[9] مجموعة الرسائل الكبرى 1/51.

[10] مجموعة الرسائل الكبرى 1/55، 56.




الالهام في القران

الالهام في القران

بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

- الإلهام.

الخطبة الأولى :
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الإلهام :
 أيها الأخوة الكرام ، تحدث عن الرؤى ، وبينت لكم من خلال القرآن والسنة أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ، وأنه لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قيل: يا رسول الله وما المبشرات ؟ قال : الرؤيا الصادقة ، يراها الرجل الصالح أو ترى له .
 وأكدت لكم من خلال نصوص كثيرة أنه لا يمكن أن يُعتمد على الرؤيا في حكم شرعي ، ولا في تقييم ، ولا في تصحيح حديث ، إنما هي إعلام مباشر من الله عز وجل لا يمكن أن تُتخذ حجة يُستأنس بها .
 بعض الأخوة الكرام تمنى علي أن أتحدث في موضوع لا يقل أهمية عن موضوع الرؤى ، ألا وهو الإلهام ، وهل يُعد الإلهام حجة في الشرع ؟ .. هل يُعد الإلهام حجة يُعمل به ؟
 أيها الأخوة الكرام ، كلمة الإلهام وردت في القرآن الكريمة مرةً واحدة ، في قوله تعالى:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[ سورة الشمس الآيات :7-10]
 العلماء يقولون : أي أن النفس بفطرتها تعرف طريق تقواها أو طريق فجورها، أو أن النفس إذا اتقت أو إذا فجرت تعلم أنها تتقي أو تفجر ، هذه الآية تُعد أصلاً في موضوع الفطرة.
 العلماء قالوا : الإلهام هو إلقاء ما يُفرق به بين الضلال والهدى ، ما يلقى في الروع بطريق الفيض ، إلقاء أمر في النفس يبعث على الفعل أو الترك .
وحي الجماد أمر و وحي الحيوان غريزة و وحي الإنسان إلهام :
 كلكم يعلم ـ أيها الأخوة ـ أن الوحي إلى الجماد أمر ، قال تعالى :
﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
[سورة الزلزلة: 1-8]
 بأن ربك أوحى لها : أي أمرها ..
 أما قوله تعالى :
﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[سورة النحل : 68-69]
 إلهام الحيوان هو الغريزة ، قال تعالى :
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾
[ سورة طه: 49-50]
 أما الوحي إلى الإنسان فهو الإلهام ، قال تعالى :
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
[سورة القصص: 7]
 أما الوحي إلى الأنبياء فهو وحي الرسالة ، عن طريق سيدنا جبريل.
 وحي الجماد أمر ، ووحي الحيوان غريزة ، ووحي الإنسان إلهام ووحي ، الرسول ملك يلقي عليه كتاب من عند الله .
 إذاً الإلهام هنا بمعنى أن الإنسان قد يتلقى من الله سبحانه وتعالى توجيهاً بطريق خفي .

الفرق بين الإلهام و الإيهام :
 مشكلة الإلهام أنه يختلط بالإيهام ، والإيهام نظير الجهل ، قال بعض علماء الأصول : إن الإلهام ليس بحجة ، سواء في باب المعارف والاعتقادات ، أو في باب الأعمال والتعبدات ..
 يذكر النسفي في عقائدة أن أسباب العلم للخلق ثلاثة ؛ الحواس السليمة ، والعقل ، والخبر الصادق ، ومن الخبر الصادق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالمعجزات، ثم قال : والإلهام ليس من أسباب المعرفة عند أهل الحق ، وأما الأعمال والعبادات فالإلهام لا يجوز العمل به ، إلا عند فقد الحجج كلها ؛ لا كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا قياس ، ولا استحسان ، ولا سد ذرائع ، حينما لا نجد أي نص ، ولا أي دليل ، قال : يُعمل بالإلهام في المباحات فقط لا في الواجبات ، ولا في المكروهات، ولا في المحرمات ، ولا في المستحبات ، في المباحات فقط .
الإلهام أثر من آثار الإيمان العميق والعبادة الخالصة :
 أيها الأخوة الكرام ، العلماء الربانيون الذين أثنى الله عليهم جمعوا بين نور العقل ونور القلب ، وجمعوا بين نور العلم ونور الإيمان ، وجمعوا بين نور الفطرة ونور النبوة ، واهتدوا بصحيح المنقول وصريح المعقول ، ووفقوا بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية ، وردُّوا الفروع إلى الأصول والمتشابهات إلى المحكمات .. العلماء الربانيون متوازنون وسطيون ، هم لا ينكرون أن يقذف الله في قلب عبدٍ من عباده نوراً يكشف له بعض المستورات والحقائق ، ويهديه إلى الصواب في بعض المضايق والمواقف ، بدون اكتساب ولا استدلال ، بل هبة من الله تعالى، وإلهام منه ، إن هذا الإلهام أثر من آثار الإيمان العميق ، والعبادة الخالصة ، والمجاهدة الجهيدة..
 لا ينكر العلماء الربانيون هذا الإلهام ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الأنفال: 29]
﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد: 28 ]
 العلماء الربانيون لا ينكرون أن يقذف الله في قلب المؤمن نوراً يكشف له الحق والباطل ، والخير والشر ، والصواب والخطأ ، وما صح وما لا يصح ، وما ينبغي وما لا ينبغي.
 ولا نزاع أيضاً في أن الإيمان والعبادة والتقوى ومجاهدة النفس لها أثرها في تنوير العقول ، وهداية القلوب ، والتوفيق إلى إصابة الحق في الأقوال ، والسداد في الأعمال ، والخروج من مضايق الاشتباه إلى الوضوح ، ومن اضطراب الشك إلى ثبات اليقين.
 ولا نزاع أيضاً في أن الله يكشف لبعض المتقين من عباده حقائق العلم ، وأنوار المعرفة ، في فهم كتاب الله وسنة نبيه ، بمحض الفيض الإلهي ، والفتح الرباني ، ما يلهث كثيرون ليحصلوا عليه بالمذاكرة والتحصيل ، يقول سيدنا عمر رضي الله عنه : " اقتربوا من أفواه المطيعين ، واسمعوا منهم ما يقولون ، فإنهم تنجلي لهم أمور صادقة ".

ضبط الإلهام :
 ولكن إذا كان علم المنطق يضبط حركة العقل ، وعلم أصول الفقه يضبط الاستدلال، هذا الإلهام كيف نضبطه ؟ .. هل يُترك الإلهام فوضى فيبقى بابه مفتوحاً لمن هب ودب ؟ ولمن تخيل واختال ؟ ولمن لا يميز بين إلهام الملك ونفس الشيطان ؟ أو لمن ادعى الوصول ولم يرع الأصول ؟ أو لكل دجال يشتري الدنيا بالدين ويتبع غير سبيل المؤمنين ؟
 علم المنطق ضبط حركة العقل ، وعلم أصول الفقه ضبط الاستدلال ، أما أن يبقى الإلهام مفتوحاً بابه ، بلا ضوابط ، وبلا قيود فعندئذ يختلط الحق بالباطل ، ويضيع أمر الدين ..
 الإلهام لا يُعتد به ، ولا نعبأ به ، ولا نأخذ به إذا خرم قاعدة شرعية ، أو حكماً شرعياً ، هو ليس حقاً بذاته ، هو إما خيال ، أو وهم ، أو إلقاء من شيطان ، إذا عارض ما هو ثابت في التشريع ، الذي هو عام ، وليس خاصاً .
 ولا ينخرم بالإلهام أصل التشريع ، ولا ينكسر اطراده ، ولا يُستثنى من الدخول تحت حكمه أحد ، إن كان الإلهام موافقاً لقواعد الشرع وأصول الدين نأخذ به في المباحات ، أما إذا خالف قاعدة شرعية ، أو خرم حكماً فقهياً ، أو كسر اطراد قاعدة ، فعندئذ لا نعبأ به ، ولا نأخذ به ، شأنه شأن الرؤيا التي تخالف نصاً تشريعياً ، بل إن الإنسان لو - افتراضاً - رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره بترك حلال ، أو أخذ حرام تُردُّ الرؤيا عليه ، ويثبت الشرع ..
 ديننا العظيم له ضوابط ، لم ننكر أن الله سبحانه وتعالى يقذف في قلب عبده المؤمن نوراً يفرق به بين الحق والباطل ، يعطيه فراسةً ، يعطيه حاسةً سادسة يعرف بها الحق ، هذا ورد به نصوص ، ولكن كما أن للعقل ضابطاً هو المنطق ، كما أن لأحكام الفقه ضابطاً هو علم الأصول ، كذلك للإلهام ألف ضابط وضابط ، كل حكم شرعي ، كل قاعدة شرعية ، هي ضابط للإلهام .
أدلة على أن الإلهام لا يمكن أن يُعمل به ولا يُؤخذ منه حكم شرعي :
 الأدلة على أن الإلهام لا يمكن أن يُعمل به ، كما أنه لا يُمكن أن يُؤخذ منه حكم شرعي ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
[ سورة النمل : 64]
 البرهان .. الدليل .. إذا كنت مدعياً فالدليل ، إذا كنت ناقلاً فالصحة ، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء ..
﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
[ سورة الأنعام : 143]
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام :148 ]
 من الحقائق الثابتة أن الإلهام يكون من الله ، ويكون من الشيطان ، ويكون من النفس ، وكل شيء احتمل ألا يكون حقاً لم يُوصف بأنه حق .
 يمكن أن يكون الإلهام من الملك ، أو من الشيطان ، أو من النفس ، ما دام الإلهام قد احتمل ألا يكون حقاً فليس بحق .. هذا أول دليل .
 يقول عليه الصلاة والسلام ، فيما رواه النسائي وابن حبان في الجامع الصغير:
((إن للملك لمة بقلب ابن آدم ، وللشيطان لمة ، فكيف يستطيع غير المعصوم أن يميز بين لمة الملك ولمة الشيطان ؟))
 هذا دليل آخر على أنه لا يُؤخذ بالإلهام ..
 مما يبطل حجة الإلهام أنه معارض بالمثل ، فإذا احتج زيد بإلهامه جاء عمر ، واحتج بإلهام مناقض له ، بطلت حجية الإلهام ..
 الإلهام ـ أيها الأخوة ـ متلبس بالهواجس والوساوس ، فإذا وجب ردُّ الحديث إذا خالف نص القرآن الكريم ، فردُّ الإلهام إذا خالف الأصول من باب أولى ، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[سورة الإسراء: 36]
 لابد من علم ، لابد من دليل ..
 وإن الإجماع - إجماع الأمة التي لا تجتمع على خطأ كما قال عليه الصلاة والسلام، فأمته معصومة بمجموعها ، وهو وحده معصوم - على عدم جواز اتباع رسول الله إلا بعد ظهور المعجزة لأنه لو اتبعت من ادعى النبوة دون أن ترى المعجزة لضاع الدين ، فإذا كان النبي لا يحق لك أن تتبعه إلا بعد أن تظهر معجزاته لانقطع الطريق على المتنبئ ، فاتباع المتنبئ كفر .

العلم الصحيح يؤخذ من الشريعة :
 فيا أيها الأخوة الكرام هذا الإسلام العظيم الذي هو كالطود الشامخ من أسباب عظمته أنه مضبوط ، أنه منهجي ، لا يسمح للزيغ أن يتسرب إليه ، لا يسمح للضلالات أن تنحدر إليه ، لا يسمح للأهواء أن تمزقه .
 إن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورَّثوا أممهم العلم ، وأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ، والعلم المفروض طلبه هو علم النبوة ، الذي يُعرف به الله سبحانه وتعالى ، ويُعرف الطريق إليه ، ويعرف ما يحب وما يكره ، ولا طريق إلى ذلك إلا معرفة الشريعة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام ، وبها يعرف المرء المسلم دينه ، ويصحح عقيدته ، وعبادته ، ويضبط سلوكه .
 فالعلم بشرع الله تعالى كما نزل به وحيه إلى النبي عليه الصلاة والسلام في كتابه وسنته ، هو الدليل المعصوم الذي لا يخطئ ولا ينسى ، طلب العلم فريضة على كل مسلم ، الإلهام يُستأنس به ، الإلهام عطاء استثنائي ، الإلهام تنوير للقلب ، أما العلم الصحيح فيُؤخذ من الشريعة ؛ هو تركة الأنبياء ، وتراثهم ، وأهله عصبتهم و ورّاثهم ، هو حياة القلوب ، ونور البصائر ، وشفاء الصدور ، ورياض العقول ، ولذة الأرواح ، وأنس المستوحشين ، ودليل المتحيرين ، وهو الميزان الذي تُوزن به الأقوال والأعمال والأحوال ، وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين ، والغي والرشاد ، والهدى والضلال ، به يُعرف الله ، وبه يُعبد ، ويذكر ويوحد ، ويحمد ويمجد ، وبه اهتدى إليه السالكون ، ومن طريقه وصل إليه الواصلون ، ومن بابه دخل عليه القاصدون ، به تُعرف الشرائع والأحكام ، ويتميز الحلال والحرام ، به تُوصل الأرحام ، وبه تُعرف مراضي الحبيب ، وبمعرفتها ومتابعتها يُتوصل إلى قربه العظيم ، هو إمام ، العلم بالشرع إمام ، والعمل مأموم ، وهو قائد والعمل تابع ، وهو الصاحب في الغربة ، والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة ، والكاشف عن الشبهة ، هو الغنى الذي لا فقر على من ظفر بكنزه ، والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه ، مذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وطلبه قربة ، وبذله صدقة ، ومدارسته تعدل الصيام والقيام ، والحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب ..
((إنما العلم بالتعلم ... ))
[البخاري و الطبراني عن معاوية ]
 الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى قال : " الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب ، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرةً أو مرتين ، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه ".
 والإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول :" طلب العلم أفضل من صلاة النافلة " .. أي إذا دخلت إلى مسجد وقد أديت صلاة الفريضة ورأيت مجلس علم ، اجلس في مجلس العلم فهو أفضل من صلاة النافلة .
 وابن وهب قال : كنت بين يدي الإمام مالك إمام دار الهجرة فوضعت ألواحي وقمت أصلي ، فقال الإمام مالك : ما الذي قمت إليه بأفضل من الذي قمت عنه ؟ أي تابع طلب العلم..
 واستشهد اللهُ عز وجل ، بأهل العلم على أجلِّ شهادة ، وهي التوحيد قال :
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[ سورة آل عمران: 18 ]
 روى البيهقي في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين))
[البيهقي عن ابن عباس ٍ]
 مهمة العلماء الصادقين ، مهمة العلماء الربانيين ، مهمة المجددين أن ينفوا عن الدين تحريف الغالين - الذين وقعوا في الغلو ، يا أيها الذين آمنوا لا تغلوا في دينكم.. لا تجعلوا من بعض الفروع أصولاً - وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، مشكلة المسلمين مشكلة جاهل يتأول النصوص على مزاجه وهواه ، مشكلة مبطل يكذب على الله ورسوله ، مشكلة مغالٍ يضخم الأمور فيخرجها عن الحد المعقول ، مهمة العلماء الربانيين الصادقين أن ينفوا عن الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ..

فضل العلم الشرعي :
 العلم الشرعي حجة الله في أرضه ، نوره بين عباده ، وقائدهم ودليلهم إلى جنته ، ومدنيهم من كرامته ، ويكفي في شرفه أن فضل أهله - أهل العلم - على العبَّاد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب والنجوم ، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ، وأن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في البحار، وحتى النمل في جحورها ، وأن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير ..
 الإمام الجنيد - إمام كبير في التصوف - يقول : " الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر النبي عليه الصلاة والسلام "..
 الإمام الجنيد يقول : " علمنا مقيد في الكتاب والسنة "..
 أبو حفص يقول : " من لم يزن أفعاله ، وأقواله ، وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ، ومن لم يتهم خواطره ، فلا يُعد في ديوان الرجال "..
 أبو سليمان الداراني يقول : " ربما وقع في قلبي إلهام ، فلا أقبله إلا بشاهدين من الكتاب والسنة ".
 أبو يزيد يقول : " لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات إلى أن ارتفع في الهواء ، فلا تغترُّوا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ؟ "..
 هذا هو ديننا ؛ دين منهج ، دين علم ، دين دليل ، دين أثر ، دين صحة في النقل، دين صواب في العقل ، لا دين إلهام ، ولا دين كرامة ، ولا دين منام ، هذه لا ننكرها ، ولكن نستأنس بها ، أما أن تخرم قاعدة شرعية ، أما أن تعطل حكماً فقهياً ، أما أن تزيل أمراً نبوياً ، فعندئذ لا نعتد بها ، ولا نلتفت إليها ، لأن قوام هذا الدين هو هذا العلم..
 المشكلة أن المسلم يجب أن يصحح عقيدته ، يجب أن يصحح تصوراته ، يجب أن يراجع حساباته ، يجب أن يتعلم منهج التلقي ، ما الذي يصح عندي وما الذي لا يصح ؟ متى أقبل هذا القول ومتى لا أقبله ؟ إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم:
((.. ابن عمر دينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذوا عن الذين مالوا ..))
[ كنز العمال عن ابن عمر ]
حقيقة الإلهام :
 أيها الأخوة الكرام ، مع أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ، ومع أن الرؤيا الصادقة نستأنس بها ، وهي إعلام من الله خفي لهذا الإنسان لا يحق له أن يتاجر بها ، ولا أن يتحدى بها أحداً ، ولا أن ينقلها للناس ، لأن الرؤيا الصادقة ليست بحجة في الشرع ، وكذلك الإلهام الذي يتخذه أناس مصدراً تشريعياً ، ويتحركون من خلاله ، ولا يعبؤون بأوامر الله ونواهيه ، هذا ضلال وأي ضلال ..
 هذه حقيقة الإلهام ، لا يستطيع أحد منصف متوازن أن ينكره ولكن الإلهام يبقى في حدود الشرع ، وفيما هو صواب ، ومقياسه الوحيد الكتاب والسنة ..
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .
* * *
الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبدهُ ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلِّم وبارك على سيّدنا محمَّد ، وعلى آله وصَحبِهِ أجمعين .
الخمر و مضاره :
 أيها الأخوة الكرام ، من فضل الله علينا نحن المسلمين أن هذا الدين القويم من عند إله عظيم ، وأن الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء ، وأنه الحكيم الخبير ، وأنه الذي خلقنا ، والذي أوجدنا ، والذي رسم لنا منهج حياتنا ، وأنه حرم علينا الخمر ، فالعالم الإسلامي في معظم أبنائه لا يشربون الخمر ، لكن في بلاد أخرى شاع فيها شرب الخمر ، هذه البلاد تعاني من ويلات لا يعلمها إلا الله ، أخ كريم نقل إليّ تحقيقاً عن موضوع الكحول في بلد غربي عريق بالحضارة ، يقول هذا التحقيق : إن ثمانية آلاف شخص يموتون بتشمع الكبد في هذا البلد كل عام ، وأن أربعين إلي خمسين بالمئة من حوادث الطرق في فرنسا بسبب تناول الكحول ، وأن أمراض العصاب ، والاكتئاب ، والانتحار ، والجنون ، وحوادث الشغب ، هذه كلها تصدر عن مدمني الكحول ، لأنهم يبحثون عن الخلاص بلا هدف .
 وأن الكحول ـ كما تقول هذه الدراسة ـ يمنع تثبيث فيتامين ب بأنواعه ، وخصوصاً ب 12، فيحصل عوز كبير عندهم ، مما يسبب لهم الهذيان ، والارتعاش ، والسرطان .
 وأن الكلية تطرح فقط من تسعة إلى عشرة من الكحول المتواجد في الدم ، والباقي يستقلبه الكبد ومع الزمن يفقد الكبد قدرته على الاستقلاب .
 ومن أمراض الكحول سوء الامتصاص ، واحتقان المري ، والتهاب المعثكلة ، والقصور الكلوي ، ونوبات الصرع والجنون ، ويؤثر أيضاً على عضلات العين .
 ربنا عز وجل حرم علينا الخمر ..
 في بلد غربي بعيد ، هناك قانون صدر حُرم فيه تناول الكحول ، وهناك دراسة طريفة أن أربعمئة إنسان تمّ إعدامهم ، وأن مئات الألوف أدخلوا السجن ، وأن ألوف المطبوعات طُبعت لتحذر الناس من الكحول ، وأن شرب الكحول صار يزداد بشكل مخيف ، إلى أن أطلق في النهاية ، أي حينما يحرم الإله شيئاً شيء ، وحينما يأتي الإنسان ويحرم شيئاً شيء آخر ، فلذلك من نعم الله التي لا تُحصى على المسلمين أننا بعيدون عن تناول هذه المشروبات ، التي سماها المضلون مشروبات روحية ، قيم روحية ومشروبات روحية ، هكذا .. كما يسمون النفاق لباقة ، والتفلت حضارة ، وكذلك هذه المشروبات التي تذهب العقل سموها مشروبات روحية ..
 أيها الأخوة الكرام ، الحق أحق أن يتبع ، أما نحن كمؤمنين لمجرد أن الله سبحانه وتعالى حرم علينا هذا الشراب فانتهى الأمر ، نحن لا نحتاج إلى تعليلات تزيدنا إيماناً ، تزيدنا إيماناً على إيماننا ، هذه التعليلات تقوي اعتقادنا بصواب ديننا ، وبأحقية منهجنا ، هذه التعليلات هي أدلة سلبية على أحقية ديننا ، انظروا إلى من خالف هذا الدين أين مصيره ؟ ..
الدعاء :
 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
 اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
 اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
 اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

الاسلام سؤال وجواب موقع الفتوى والدعوة الاسلامية

موقع الدرر السنية للدفاع عن السنة المطهرة

شبكة الالوكة الاسلامية

موقع التاريخ الاسلامي قصة الاسلام

اكبر عملية تزوير في تاريخ الاسلام - افق قبل الموت

موقع الاسلام اليوم --عين على العالم

موثع صيد الفوائد للدعوة والعلوم الشرعية الاسلامية

موقع طريق الاسلام للعلوم الشرعية والاسلامية

خبير الاعشاب والتغذية العلاجية (خبير الاعشاب والتغذية العلاجية ) Powered by Blogger Design by Blogspot Templates